عبد العزيز عتيق

206

علم البيان

فالمبرد كما نرى لم يعرّف الكناية وإنما التفت إلى ما تؤديه بعض صورها من فائدة في صناعة الكلام ، وكأنّه بذلك يوحي بأنّ هذا الاتجاه هو الأهم في دراسة الأساليب البلاغية ، وأنّه ينبغي التركيز عليه أكثر من التركيز على القواعد . وابن المعتز « 296 ه » قد عدّ الكناية والتعريض من محاسن البديع ومثل لهما من منظوم الكلام ومنثوره ، ومن الأمثلة التي أوردها : « كان عروة بن الزبير إذا أسرع إليه إنسان بسوء لم يجبه ، ويقول : إني لأتركك رفعا لنفسي عنك . ثمّ جرى بينه وبين علي بن عبد اللّه بن عباس كلام ، فأسرع إليه عروة بسوء ، فقال علي بن عبد اللّه : إني لأتركك لما تترك الناس له . فاشتد ذلك على عروة « 1 » . وقدامة بن جعفر « 337 ه » عرض لها في « باب المعاني الدال عليها الشعر » من كتابه نقد الشعر ، وعدّها نوعا من أنواع ائتلاف اللفظ والمعنى ، وأطلق عليها اسم « الإرداف » وعرفه بقوله : « الإرداف أن يريد الشاعر دلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع له ، فإذا دلّ على التابع أبان عن المتبوع بمنزلة قول الشاعر : بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل * أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم » « 2 » ثمّ أورد بعض أمثلة أخرى عليها . والكناية أو الإرداف على رأي قدامة هو في « بعيدة مهوى القرط » وهذا كناية عن طول العنق ، فمهوى

--> ( 1 ) كتاب البديع ص 64 . ( 2 ) كتاب نقد الشعر لقدامة ص 113 .